أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
68
شرح مقامات الحريري
المتوكّل ، وفي المجلس البحتريّ وأبو العنبس الصيمريّ ، فأنشده البحتريّ قصيدة أولها : [ مجزوء الكامل ] عن أيّ ثغر تبتسم * وبأيّ طرف تحتكم « 1 » حسن يضنّ بحسنه * والحسن أشبه بالكرم حتى بلغ : قل للخليفة جعفر المت * وكّل بن المعتصم المرتضى ابن المجتبى * والمنعم ابن المنتقم أمّا الرعيّة فهي من * أمنات عدلك في حرم يا باني المجد الذي * قد كان قوّض فانهدم اسلم لدين محمّد * فإذا سلمت فقد سلم نلنا الهدى بعد العمى * بل والغنى بعد العدم ثم مشى القهقرى للانصراف ، فوثب أبو العنبس ، وقال : يا سيّدي ، تأمر بردّه ! فقد واللّه عارضته ، فأخذ ينشد في ذلك : [ مجزوء الكامل ] في أيّ سلح تنتظم * وبأيّ كفّ تلتقم أدخلت رأس البحتر * يّ أبي عبادة في الرّحم ووصله بما يشبهه من الشعر . فضحك المتوكّل حتى استلقى ، وقال : يدفع إلى أبي العنبس عشرة آلاف درهم ، فقال أبو الفتح : يا أمير المؤمنين ، والبحتريّ الذي هجي وأسمع المكروه ينصرف خائبا ؟ قال : ويدفع إلى البحتريّ عشرة آلاف درهم ، قال : يا سيّدي ، وهذا البصريّ الذي أشخصناه من بلده ، ألا يشركهم فيما حصلوه ؟ قال : ويدفع له عشرة آلاف : قال وانصرفنا كلّنا في شفاعة الهذليّ ، ولم ينفع البحتريّ جدّه وحذقه . وأما أبو الفرج ، فقال : حدّثني جحظة عن أبي العنبس الصيمريّ ، قال : كنت عند المتوكل والبحتريّ ينشده : * عن أيّ ثغر تبتسم * وكان البحتريّ من أبغض الناس إنشادا ، يتشادق ويتزاور في مشيه مرّة جانبا ، ومرّة القهقرى ، ويهزّ رأسه مرة ومنكبيه أخرى ، ويشير بكفيه ، ويقف عند كل بيت ، ويقول : أحسنت واللّه ! ثم يقبل على المستمعين ، ويقول لهم : ما لكم لا تقولون : أحسنت ! هذا واللّه ما لا يحسن أحد أن يقول مثله ، فضجر المتوكل من ذلك ، وأقبل عليّ فقال : أما
--> ( 1 ) الأبيات في ديوان البحتري ص 1998 .